يشكّل كتاب "تقي الدين المقريزي: وجدان التاريخ المصري" للدكتور ناصر الرباط, أستاذ كرسي العمارة الإسلامية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT), محاولة عميقة لإعادة قراءة شخصية المقريزي (ت 845هـ/1442م) التي ألقت بظلالها على أي مشتغل بتاريخ مصر. يسلّط الرباط الضوء على دقائق حياة هذا المؤرخ، من طموحه المبكر وظروف دراسته، وصولاً إلى انخراطه في دهاليز السلطة المملوكية ونقاشاته مع أساتذته من أمثال ابن خلدون. يحرّك الكتاب أفقاً جديداً لفهم المقريزي ليس فحسب من زاوية مؤلفاته كـ"المواعظ والاعتبار" و"السلوك"، بل أيضاً من خلال تحوّلاته المذهبية وعلاقته بوالدته وزوجته وجاريته، في قراءة نفسية واجتماعية تكشف عن هموم إنسان عصره. يُبرز المؤلَّف البُعد الوطني لدى المقريزي، حينما يدين فساد حكّام المماليك ويعبّر بشجاعة عن مصير دولته المتهاوية. ويرى الرباط أن جرأة المقريزي تلك جعلته من الأصوات النقدية المبكرة في التاريخ المصري، ممثلاً هوية وطنية متجاوزة لزمنه. كما يفصّل الكتاب في انتقالاته المذهبية واتهامه بالتعاطف مع التيار الظاهري على خطى ابن حزم، وهي محطّات تفتح باب التأمل في مدى استقلاليته الفكرية. المادة الموثقة في هذا الكتاب تعطي نظرة مغايرة عن المقريزي، متجاوزة السرد التقليدي لتاريخه الرسمي، نحو رؤية شاملة ترصد ملامحه النفسية ومواقفه السياسية. بعبارة أخرى، إنه عمل يكشف عن "صوت مصر" لا مجرد مؤرخ لها.
There are no reviews for this book yet.